Skip to main content

Classic NL – Mind Radio

Loading metadata…

د. نيقولاوس ستيلغياس صمت دمشق المحسوب: فهم الاستجابة المحدودة للحكومة السورية الانتقالية إزاء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران


أعادت التصعيدات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، التي اندلعت في أواخر فبراير 2026، رسم البنية الأمنية للشرق الأوسط من جديد. غير أن الطرف الذي جاءت ردود فعله لافتةً في محدوديتها هو سوريا، أو بالأحرى الحكومة الانتقالية في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع، المعروف على نطاق واسع بكنيته السابقة في ميادين القتال. ففي حرب طالت إيران مباشرةً وورّطت وكلاءها الإقليميين، وشهدت تبادلات صاروخية بالطائرات المسيّرة فوق الأجواء العربية، اقتصر الموقف العلني لدمشق على حفنة من البيانات الدبلوماسية المنتقاة بعناية. وهذا الضبط ليس وليد المصادفة، بل يعكس حساباً استراتيجياً مدروساً تمليه الهشاشة الداخلية، وإعادة تموضع جيوسياسي، وضرورات بناء الدولة في مرحلة ما بعد الأسد.

تتناول هذه الورقة التحليلية الأسباب الكامنة وراء الاستجابة المحسوبة لدمشق، وتضعها في سياق توجّه الحكومة السورية الانتقالية منذ سقوط نظام الأسد وإعادة تشكيل السياسة الخارجية السورية بعيداً عن المحور الإيراني.

ما قالته دمشق... وما لم تقله

جاء أبرز تصريح علني للحكومة السورية الانتقالية في 28 فبراير 2026، حين أصدرت وزارة الخارجية إدانةً صريحة للضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت دول الخليج العربي، وكانت طهران قد شنّتها رداً على الموجة الأولى من العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية. وقد تميّز موقف دمشق بعدة سمات لافتة: فقد انحازت صراحةً إلى جانب الدول العربية المتضررة، ورفضت أي مسوّغ للضربات الإيرانية حتى باعتبارها رداً على العمليات الأمريكية أو الإسرائيلية السابقة، وأطّرت السيادة السورية بوصفها "خطاً أحمر" لا يجوز تجاوزه تحت أي ذريعة.

بيد أن ما غاب عن البيان لا يقل أهمية عمّا تضمّنه. فلم يرد فيه أي إدانة للضربات الأمريكية أو الإسرائيلية على إيران، ولا دعوة إلى وقف إطلاق النار بين جميع الأطراف، ولا تعبير عن تضامن مع طهران، في منعطف دراماتيكي عن النهج الخطابي الذي دأبت عليه دمشق طوال أربعة عقود في عهد الأسد. وقد كان هذا الغياب في حد ذاته رسالةً بالغة الدلالة، تُشير إلى واشنطن وتل أبيب وعواصم الخليج بأن سوريا الجديدة لا تعدّ نفسها جزءاً من الفلك الإيراني.

وقبيل التصعيد الذي شهده فبراير، كان الشرع قد أرسى نمطاً من الصمت الانتقائي في الملفات المرتبطة بإيران. فحين نفّذت إسرائيل ضربات ضد أهداف إيرانية في يونيو 2025، لم تُصدر دمشق أي بيان حول المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية الأشمل. وبدلاً من ذلك، انصبّ اهتمام الشرع على إدانة "العدوان" الإسرائيلي على الأراضي السورية، لا سيما الغارات الجوية والإبقاء على منطقة عازلة تتخطى خط فك الاشتباك لعام 1974، مع السعي في الوقت ذاته إلى مفاوضات بوساطة أمريكية تستهدف انسحاباً إسرائيلياً وتسوية. وقد غدا هذا النهج القائم على احتجاج الإجراءات الإسرائيلية على الأراضي السورية مع تجنّب أي تضامن مع إيران السمةَ المميِّزة للموقف الدبلوماسي لدمشق.

وحتى مطلع مارس 2026، لم تُصدر الحكومة الانتقالية بيانات جوهرية أخرى سوى تأكيدات متكررة بأن الأراضي السورية يجب ألا تكون منطلقاً لأي صراعات إقليمية.

تفسير الضبط: خمسة عوامل هيكلية

أولاً: الضرورة القصوى لاقتلاع النفوذ الإيراني

يبقى العامل الأبرز الذي يُفسّر محدودية رد فعل دمشق هو تصميم الحكومة الانتقالية على قطع التحالف الذي ربط سوريا بإيران على مدى عقود. فتحت نظام الأسد، كانت سوريا تُشكّل الجسر البري الحيوي الواصل بين إيران وحزب الله في لبنان، واحتضنت مستشارين عسكريين إيرانيين وتشكيلات من الميليشيات الشيعية، ومنحت طهران العمق الاستراتيجي على ضفة المتوسط. أما سقوط الأسد وصعود حكومة الشرع المتجذّرة في الفصائل السنية الإسلامية، التي كانت هي نفسها في مرمى القوات المدعومة إيرانياً طوال سنوات الحرب الأهلية، فقد أفضيا إلى قطيعة أيديولوجية واستراتيجية عميقة مع طهران.

وقد جاهر الشرع بإدانة إيران ووكلائها، معتبراً إياهم مصدر دمار هائل طال سوريا والمنطقة برمّتها. ومن منظور هذه الحكومة، لا يُشكّل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على القدرات العسكرية الإيرانية تهديداً، بل فرصةً استراتيجية لا تُقدَّر. فإيران أضعف تعني قدرةً أدنى لطهران على بسط نفوذها في سوريا، أو إعادة بناء شبكات الوكلاء، أو تقويض سلطة الحكومة الانتقالية. والجهر بالاعتراض على الضربات التي تستهدف إيران سيتناقض مع الرواية التأسيسية للحكومة ويُنفّر شركاءها الدوليين الأساسيين. والصمت في هذا السياق يُؤدّي وظيفة الإقرار الضمني.

ثانياً: الانحياز إلى المصالح الأمنية لدول الخليج العربي

لم يكن البيان الصادر في 28 فبراير والمنتقد للضربات الإيرانية على دول الخليج مجرد ردة فعل آنية، بل كان تمريناً مقصوداً في تحديد المواقع الاستراتيجية. فالسبل الأكثر جدوى أمام الحكومة الانتقالية لتأمين تمويل إعادة الإعمار والاعتراف الدبلوماسي والشرعية السياسية تمرّ عبر الرياض وأبوظبي والدوحة. وبانحيازها الصريح إلى جانب دول الخليج في مواجهة العدوان الإيراني، تُعزّز دمشق مكانتها بوصفها عضواً فاعلاً في منظومة الدول العربية، وتتمايز عن الوصمة التي ألصقها التحالف الإيراني للنظام الأسدي بالسياسة الخارجية السورية.

وينبثق هذا الانحياز أيضاً من قراءة براغماتية لديناميكيات القوى الإقليمية. فالدول الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات، منخرطة بفاعلية في مساعي استقرار سوريا ما بعد الأسد، وفي درء الفراغ الذي قد يستغله وكلاء إيران أو الجماعات الجهادية. وبالنسبة للشرع، صون الودّ الخليجي ليس رفاهية اختيارية، بل شرط وجودي. وأي تصريح يُوحي بالتردد حيال العدوان الإيراني على دول الخليج سيُرهن هذه العلاقة الحيوية بالخطر.

ثالثاً: العلاقة مع الولايات المتحدة ومعادلة التوازن مع إسرائيل

تتّسم علاقة الحكومة الانتقالية بالولايات المتحدة بالتعقيد، غير أنها باتت تحتل موقعاً متزايد المركزية في استراتيجية البقاء. فواشنطن تدعم حكومة دمشق في مواجهة الميليشيات المدعومة إيرانياً، مع مواصلة عمليات مكافحة تنظيم داعش على الأراضي السورية. وهذا الانخراط المزدوج يمنح الولايات المتحدة نفوذاً قوياً، وقد أبدت دمشق استعداداً للتكيّف مع الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، بما في ذلك السماح لإسرائيل، وفقاً للتقارير، بالتحليق عبر الأجواء السورية لضرب الأهداف الإيرانية.

وتُمثّل هذه التسوية انقلاباً مذهلاً على السياسة السورية الممتدة عبر عقود. فالأجواء السورية في عهد الأسد كانت منطقة نفوذ إيراني وروسي، وكان أي تحليق إسرائيلي فيها يُعدّ عملاً حربياً. أما في عهد الشرع، فيُتسامح مع هذا التحليق في إطار تفاهم ضمني: تُيسّر سوريا تآكل القدرة العسكرية الإيرانية، وفي المقابل تنتظر دعماً أمريكياً لمساعيها الدبلوماسية، بما فيها الوساطة في انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة جنوب سوريا.

بيد أن البُعد الإسرائيلي يظل مثاراً للإشكاليات. فالشرع لا يستطيع أن يُجاهر بتأييد العمليات العسكرية الإسرائيلية، إذ سيكون ذلك كارثياً سياسياً على الصعيد الداخلي وعلى مستوى العالم العربي بأسره. ومن هنا جاء الصمت الانتقائي: دمشق تُدين الإجراءات الإسرائيلية التي تمسّ الأراضي السورية مباشرةً من غارات جوية ومنطقة عازلة، بينما تلوذ بالصمت حيال العمليات الإسرائيلية ضد إيران. وهذا الغموض المحسوب يُتيح للحكومة الانتقالية صون رصيدها القومي العربي، مع التعاون الفعلي في الوقت ذاته مع الحملة المناهضة لإيران.

رابعاً: الهشاشة الداخلية وأولوية التوحيد الوطني

تحكم الحكومة الانتقالية السورية جسداً سياسياً ممزّقاً. فالبلاد لا تزال مقسّمة بين فصائل مسلحة متعددة؛ تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على معظم الشمال الشرقي، وتنشط الفصائل المدعومة تركياً في الشمال، فيما تتناثر عناصر موالية للنظام وتشكيلات جهادية في مناطق أخرى. وسلطة الشرع، وإن تنامت، تبقى بعيدة عن الرسوخ الكامل. وفي هذا السياق، يحمل أي تدخّل بارز في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في أي اتجاه كان، مخاطر جسيمة.

فإدانة الولايات المتحدة وإسرائيل ستُنفّر أهم الداعمين الخارجيين لدمشق وقد تستجلب إجراءات عقابية. أما التأييد الصريح للضربات على إيران فقد يُثير ردود فعل انتقامية من عناصر وكلاء إيران المتبقية داخل سوريا، وقد يُذكي التوترات مع الفصائل التي لا تزال تحتفظ بصلات مع طهران. ومن ثمّ، كان الخيار الأكثر أماناً، وهو الذي اختارته الحكومة الانتقالية، الحفاظ على حضور علني في أدنى مستوياته، وإبقاء البيانات العلنية حبيسة الشؤون المؤثرة مباشرةً في السيادة السورية، وتفادي أي موقف أشمل قد يُشقّق الائتلاف الداخلي الهش.

ويخدم هذا النهج أيضاً مفاوضات الشرع الجارية مع قوات سوريا الديمقراطية وتركيا وجماعات المعارضة الداخلية المتنوعة. فإبعاد سوريا عن الصراع الإيراني يحول دون إقحام محور خلاف إضافي في مباحثات متعددة الأطراف هي أصلاً شديدة التعقيد وترمي إلى المصالحة الوطنية والإصلاح الدستوري.

خامساً: عقيدة السيادة درعاً دبلوماسية

يؤدّي الاستحضار المتكرر للسيادة بوصفها "خطاً أحمر" وظيفةً مزدوجة. فعلى الصعيد الخارجي، يوفّر ذريعةً مبدئية لرفض الانحياز إلى أي طرف: دمشق ليست مع إيران ولا مع أمريكا، بل مع سوريا. وهذا الإطار يُتيح للحكومة رفض أي طلب دعم من أي طرف مع الظهور بمظهر المنسجم مع مبادئه لا المتهرّب من مواقفه. وعلى الصعيد الداخلي، يتردّد صدى عقيدة السيادة بعمق في أوساط شعب مُنهك من الحرب عاش أرضه ساحةً لمعارك القوى الأجنبية أكثر من عقد متواصل.

كما يُؤدّي التمسّك بأن الأراضي السورية يجب ألا تكون ملعباً للصراعات الإقليمية وظيفةَ تحذير استباقي لإيران وما تبقّى من وكلائها. فإن سعت طهران إلى إعادة بناء شبكاتها اللوجستية والقيادية على الأراضي السورية، كما فعلت بشكل مكثف في عهد الأسد، فإن دمشق تُرسل رسالة مفادها أن هذا لن يكون مقبولاً، وأن الحكومة الانتقالية لا ترى نفسها ملزمة بالترتيبات القديمة. وعقيدة السيادة، إذن، أبعد ما تكون عن الحياد، إذ هي في جوهرها رسم لشروط السياسة الخارجية السورية في مرحلة ما بعد الأسد.

المخاطر والتوترات الكامنة في هذا النهج

وإن كانت الاستجابة المضبوطة للحكومة الانتقالية منطقيةً استراتيجياً، فهي لا تخلو من مخاطر. والأشد خطورةً يتمثّل في احتمالات التوترات الفصائلية الداخلية. فلا تشترك جميع مكونات الائتلاف العريض الذي يُشكّل النظام السياسي لمرحلة ما بعد الأسد في توجّه الشرع المناهض لإيران. فثمة فصائل، منها جماعات إسلامية ذات صلات تاريخية بجهات رعاية تركية أو قطرية تحتفظ بعلاقات عمل مع طهران، قد ترى في الانحياز الضمني للحكومة نحو المعسكر المناهض لإيران موقفاً متسرّعاً أو محفوفاً بالمخاطر.

وثمة أيضاً خطر الانتقام الإيراني. فرغم أن قدرة طهران على بسط نفوذها قد تضرّرت بشكل ملحوظ جراء الصراع المستمر، تحتفظ إيران بشبكات استخباراتية متبقية وعلاقات نيابية داخل سوريا. وانطباع أن دمشق تُيسّر بفاعلية مسيرة الحملة المناهضة لإيران، سواء عبر منح حق التحليق الجوي، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو توفير الغطاء الدبلوماسي، قد يجعل سوريا هدفاً لعمليات غير نظامية.

وأخيراً، يُفضي اعتماد الصمت إلى تكاليف في السمعة في أوساط بعينها. فشرائح من الرأي العام العربي والإسلامي الذي يرى في الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضرباً من العدوان، قد يُفسّر إخفاق دمشق في إدانة الضربات على إيران بوصفه تواطؤاً. وهذا التفسير، إن اتسعت دائرته، قد يُعقّد مساعي الحكومة لبناء شرعية داخلية راسخة ومصداقية إقليمية تتجاوز نطاق دول الخليج.

خاتمة

لا يعكس رد فعل دمشق المحدود على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لامبالاةً ولا عجزاً، بل يُجسّد استراتيجية محسوبة تنبثق من الأولويات الجوهرية للحكومة الانتقالية: اقتلاع النفوذ الإيراني، والانحياز إلى منظومة الدول العربية والولايات المتحدة، والتوحيد الداخلي، وإرساء إطار للسياسة الخارجية قائم على مبدأ السيادة يُحرّر سوريا من دورها السابق بوصفها دولةً تابعة لإيران.

وقد لخّص بيان 28 فبراير هذا النهج بدقة بالغة: إذانة الضربات الإيرانية بوضوح مع التزام صمت مطبق حيال العمليات الأمريكية والإسرائيلية. هذا الموقف يُوصل رسالةً متعددة الأبعاد: التضامن مع الخليج، والعداء لبسط النفوذ الإيراني، والانفتاح على المعسكر الغربي المحاذي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المظهر الرسمي لدولة ذات سيادة لا يعنيها سوى سلامتها الإقليمية.

وستتوقف قابلية هذه الاستراتيجية للصمود على مسار تطور الصراع، ومدى الإضعاف الدائم الذي يلحق بإيران، وعلى قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل تموضعها الدبلوماسي إلى مكاسب ملموسة: مساعدات لإعادة الإعمار، وتوطيد الأوضاع الإقليمية، وتسوية تفاوضية مع إسرائيل حول جنوب سوريا. وفي الوقت الراهن، يُعلن صمت دمشق عن نفسه أبلغ من كثير من التصريحات.